محمد بن محمد ابو شهبة

583

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وإن المنصف ليقف خاشعا أمام هذا القول الحكيم الذي يدل على أن سيدنا محمدا نبي حقا ، فلو لم يكن نبيا ، وكان طالب ملك أو زعامة ، أو شرف وجاه ، أو مدعيا نبوة لاستغلّ اعتقاد الناس هذا ، أو على الأقل يسكت . ولم يزل الدجالون وأدعياء النبوة والمشعوذون ، من لدن مسيلمة إلى يومنا هذا يستغلون سذاجة الناس وجهلهم في مثل هذا ، بل ويحاولون ما استطاعوا التمويه على الناس والتلبيس عليهم ، ولكنه النبي الذي لا ينطق عن الهوى ! ! وأي عظمة نفسية أعظم من ألاينسى الرسول رسالته في أشد المواقف التي تملأ النفس غما وحزنا وربما تذهل الشخص عما هو حق ، لذلك لا تعجب إذا كان المستشرقون الذين كتبوا في سيرة النبي ، وتناولوا هذه القصة وقفوا منها موقف الإجلال والإعظام ، ولم يستطيعوا كتم إعجابهم وإكبارهم للنبي ، وإعلان عرفانهم بصدق إنسان لم يرض في أدق المواقف إلا الصدق وإعلان الحق . تنبؤ مسيلمة قدمنا ما كان من قدوم مسيلمة الكذاب مع وفد بني حنيفة ، وأنه عرض على النبي أن يشركه في الأمر أو يجعله له من بعده ، فأبى عليه ، وفي اخر سنة عشر ، أرسل إلى النبي هذا الكتاب : ( من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه . سلام عليك . أما بعد : فإني قد أشركت في الأمر معك ، فإن لنا نصف الأرض ، ولقريش نصفها ، ولكن قريشا قوم يعتدون ) . وقدم بالكتاب رسولان ، فقال لهما النبي : « وأنتما تقولان بمثل ما يقول ؟ » قالا : نعم ، فقال : « أما واللّه لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما » ثم كتب إليه : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من محمد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذاب ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فإن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين » . وقد استغلّ مسيلمة تعصب بني حنيفة له ، وصار يمخرق ويموه ويكذب ،